القاضي التنوخي
133
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
قال محمد بن يزداد : فقال لي : يا هذا ، قد عرفت ما تقدّم به إليك الخليفة في أمري ، وواللَّه ما رأيت هذا المال ، ولا نصفه ، ولا ثلثه قط ، ولا يحتوي عليه ملكي ، ولعلّ الخليفة يريد دمي ، وقد جعل هذا إليه طريقا ، وقد تفضّلت عليّ بما لا يسعني معه أن أدّخر جهدا في تجميلك عند صاحبك ، وقد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي ، ظاهرا وباطنا ، وهي هذه ، وسلَّمها إليّ ، وإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعليّ ، وعليّ ، وحلف بالطلاق والعتاق ، والأيمان المغلَّظة ، ما تركت لنفسي بعد ذلك ، إلَّا ما عليّ من كسوة تستر عورتي ، وهذا وسعي ، وجهدي ، فإن رأيت أن تأخذه ، وتسأل الخليفة الرضا به منّي ، فإن فعل فقد خلَّصني اللَّه بك ، ونجّاني من القتل على يدك ، وإن أبى ، فإنّه يسلمني إلى عدوّي الفضل بن مروان « 1 » ، وهو القتل ، وواللَّه ، لا أعطيت على هذا الوجه ، درهما واحدا ، ولا كنت ممن يجيء على الهوان ، دون الإكرام ، وسأتلف ، ولا يصل الخليفة إلى حبّة من مالي ، ولكنّ المنّة لك عليّ حاصلة « 2 » ، فإن عشت شكرتها ، وإن متّ فاللَّه مجازيك عنّي . قال : فأخذت التذكرة ، ورحت إلى المأمون . فقال : ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي ؟ فقلت : إنّه قد بذل ألفي ألف درهم ، وليس عنده أكثر من ذلك .
--> « 1 » الفضل بن مروان : أول وزراء المعتصم ، وكان كاتبه قبل الخلافة ، في الفخري ( ص 232 ) أنه كان من البردان ، وكان عاميا لا علم عنده ولا معرفة ، وكان رديء السيرة ، جهولا بالأمور ، قد تمكن من المعتصم ، وحسده الناس على منزلته عنده ، ثم نكبه وأخذ جميع أمواله ، وعفا عن نفسه ، فبقي مدة يتنقل في الخدمات حتى مات في أيام المستعين . « 2 » في ب : خالصة